ابن قيم الجوزية
168
البدائع في علوم القرآن
وذلك لأن المعرضين عن الهدي والحق نوعان : أحدهما من يظن أنه على شيء فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه ، وهذه حال أهل الجهل ، وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم ، فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء ، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا حقيقة له . وهكذا الأعمال التي لغير اللّه وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له ، وليست كذلك وهذه هي الأعمال التي قال اللّه - عزّ وجلّ - فيها : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان ] ، وتأمل جعل اللّه - سبحانه - السراب بالقيعة وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والمعالم . فمحل السراب : أرض قفرة لا شيء بها ، والسراب لا حقيقة له ، وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى . وتأمل ما تحت قوله : يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ، والظمآن الذي قد اشتد عطشه ، فرأى السراب ، فظنه ماء ، فتبعه فلم يجده شيئا ، بل خانه أحوج ما كان إليه ، فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول ، ولغير اللّه جعلت كالسراب ، فرفعت لهم أظمأ ما كانوا ، وأحوج ما كانوا إليهم فلم يجدوا شيئا ووجدوا اللّه - سبحانه - ثمّ « 1 » فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم . وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث التجلي يوم القيامة : « ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها السراب ، فيقال لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد عزيرا ابن اللّه . فيقال : كذبتم ، لم يكن للّه صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ قالوا : نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا فيتساقطون في جهنم ، ثم يقال للنصارى : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا نعبد المسيح ابن اللّه ، فيقال : كذبتم لم يكن للّه صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ فيقولون : نريد أن تسقينا ، فيقال لهم : اشربوا فيتساقطون » « 2 » وذكر الحديث . وهذه حال كل صاحب باطل ، فإنه يخونه باطله أحوج ما كان إليه ، فإن الباطل لا حقيقة له ، وهو كاسمه باطل ، فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه باطلا . وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة كالعمل لغير اللّه ، أو على غير أمره بطل العمل
--> ( 1 ) أي هناك . ( 2 ) مسلم ( 267 ) في الإيمان .